المصير المُعلّق بين الإنكار والرفض ● مقالات رأي

المصير المُعلّق بين الإنكار والرفض

كشفت شبكة “شام” الإعلاميّة عن حصولها على معلومات مسربة يُرجّح أنها تعود لمكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان في بيروت، تتضمن قائمة طويلة من البيانات والمراسلات، مع وجود ملفات تصنف ضمن “الخطيرة” على حياة نشطاء وشهود عملوا مع المفوضيّة في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في الشرق الأوسط، وقد ردّت المفوضيّة على ذلك عبر بيانٍ مكتوب تنفي الأمر جُملةً وتفصيلاً، وترفض هذه الادعاءات تمّ توزيعه على المنظمات غير الرسمية المتعاونة معها تحاشياً لأي بلبلة قد تقع، ما يضرّ بسمعتها ومصداقيّتها.

ولأهمية الموضوع وخطورته كان لابد لنا أن نُسلِّط الضوء على بعض النقاط حوله وبيان مكامن ومصادر الخطر المحتملة والسبيل لتفادي أثاره.

تهدف عمليات توثيق حقوق الإنسان إلى حماية هذه الحقوق وتعزيزها ونشر الوعي بها، بالإضافة إلى كشف الحقائق تمهيداً لمساءلة ومحاسبة المنتهكين وإنصاف الضحايا وتحقيق العدالة، سواء كانوا أفراداً أو جماعات أو حكومات، وقد وضع خبراء القانون الدولي الإنساني مجموعة من القواعد تُنظّم هذه العمليّات ضمن ما يُسمّى “دليل توثيق انتهاكات حقوق الإنسان”.

ومن أهمّ هذه القواعد:

قاعدة عدم إفشاء المعلومات والحفاظ على سريه المصدر: تُعتبر السريّة مبدأ مهم في مجال توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، لأن عدم التزام السريّة قد يتسبب بعواقب وخيمة للضحايا والشهود وكذلك للموثق نفسه، لذلك يجب اتخاذ تدابير خاصة لحماية سريّة المعلومات وهوية الضحايا والشهود، كما أنّ عدم الالتزام بالسريّة سيؤدي إلى فقدان الثقة بين الضحايا أو الشهود والمجتمع مع الموثِّق.

قاعدة عدم التسبب في الضرر: يُعتبر واجب حماية ضحايا الانتهاكات والضحايا المحتملين، من أهمّ واجبات الموثِّق من خلال وضع سلامة الضحايا على رأس أولوياته، وان يتخذ جملة من التدابير التي تضمن سلامتهم ومن ثم حصوله على تلك المعلومات وفقاً لمبدأ “سلامة المصدر أولى من الحصول على المعلومة”.

وبناءً عليه قام أولئك الخبراء بوضع مجموعة من القواعد الواجبة تتضمن آليّات توفير الأمن والحماية والسلامة أثناء عمليات الرصد والتوثيق وهي على مستويين وهما:

المستوى الأول: أمن الأفراد، من باحثين ومحققين وناشطين وموظفي المنظمات الدولية والمنظمات والمؤسسات المتعاونة، وفق الآليّات التاليّة:

  • توفير شبكة أمان داخلية ودولية: تؤمن الغطاء للمؤسسة والعاملين فيها.
  • سلامة وأمن الباحث: من خلال توظيف مسؤولٍ مختصٍّ بتنسيق العمل والتواصل مع الباحثين الميدانيين دوماً، ووضع خطة آمنة للتحرّك والتنقّل وإجراء اللقاءات وضمان العودة بسلام، ووضع خطط طوارئ لتفادي أي مخاطر محتملة.
  • سلامة وأمن الضحايا والشهود: من خلال الحفاظ على سرية التوثيق والحرص على عدم كشف هوية معطي المعلومات، واختيار الأماكن الآمنة البعيدة عن الأنظار، والمراقبة، أو عبر التواصل معه بطريقة غير مباشرة بالتواصل مع أقرب الأشخاص الذين هم محل ثقة الضحية، وتجنّب استخدام الهواتف والرسائل الإلكترونية.

المستوى الثاني: أمن المعلومة، وهو مجموعة الوسائل والإجراءات اللازم توفيرها لضمان حماية المعلومات من الأخطار التي قد تهدد سلامة سريتها ووجودها، والتي يجب أن تتّصِف بما يلي:

  • السرية: وهي التأكد من أن المعلومات لا تكشف ولا يطلع عليها من جهة أشخاص غير مخوّلين بذلك.
  • التكامل وسلامة المحتوى: التأكد من أن محتوى المعلومات صحيح ولم يتم تعديله أو العبث به أو الانتقاص منه، في أي مرحلة من مراحل عملية التوثيق، مراحل المعالجة من تحليل وتصنيف وإدخال وفرز، وصولاً إلى عملية الحفظ في الأرشيف.
  • استمرارية توفر المعلومات: التأكد من استمرار عمل نظام أرشيف المعلومات، واستمرار القدرة على الوصول إلى المعلومات.
  • التخلص الآمن من المعلومات والبيانات: عند إتلاف بعض السجلات والوثائق التي لم تعد هناك حاجة إليها، يجب التخلص منها عبر تمزيقها بواسطة آلة تمزيق الوثائق مثلاً، لا أن يتم رميها في النفايات كما هي، ما يجعلها عرضة للوقوع في الأيدي الخطأ.

ترميز الوثائق والسجلات وتشفيرها: من خلال تصميم طريقة لحفظ المعلومات دون إضاعة هوية مقدم المعلومات، ففي الإفادات المحجوبة عن النشر، تأخذ الإفادة من الضحية أو الشاهد مع عدم كتابة ما يشير إلى شخصيته، بل توثق في دفتر ملاحظات صغير، لحين إرسالها للمؤسسة، التي بدورها تحتفظ بالإفادة في مكان مخصص لها، وتحتفظ بما يشير لهوية مقدم الإفادة في مكان مخصص آخر، بحيث يتم ربط الإفادة بمقدم الإفادة من خلال نظام رموز وأرقام تصممه المؤسسة ويكون أحد الموظفين على دراية كاملة بهذا النظام، وهو ما يحمي الضحية أو الشاهد في حال وقوع الإفادة في الأيدي الخطأ لأي سبب كان.

أمن المكاتب: لأمن المكاتب أهمية كبيرة في حماية السجلات التي تكون محفوظة في المكتب، والمعلومات المخزنة في الحواسيب، والتي قد تتعرض للضياع بسبب السرقة أو التدمير أو المصادرة أو حدوث خلل في أجهزة الحواسيب أو نشوب حريق، حيث يؤدي ضياع المعلومات إلى عرقلة أو فقدان المؤسسة لإمكانية متابعة عملها، وذلك من خلال وضع أقفال للمكاتب واستعمال كلمات السر في نظم الحواسيب وعمل نسخ احتياطية، وترحيل الملفات السرية المخزنة في أجهزة الحاسوب الموجودة في المكتب ووضعها في مكان مأمون بصورة أكبر.

وتقسّم المعلومات إلى قسمين:

الأول: معلومات علنية، وهذه لا يشكل كشفها خطراً على أحد.

والثاني: المعلومات السرية، وهي معلومات يجب الحفاظ على سريتها لحماية الضحايا والشهود والمؤسسة ذاتها، لضمان نجاح استكمال ملف تلك المعلومات السرية، فخلال العمل على بناء ملف جرائم حرب في منطقة نزاع مسلح ما، من المهم الحفاظ على سرية ًهوية الضحايا إذا ما كان النزاع مستمرا وعليه فإنه من المهم توفير الحماية للمعلومات السرية من المخاطر التي تهددها ومن أنشطة الاعتداء عليها.

وعليه فإنه يمكن القول بأن تسريب الملفّات المذكورة قد يكون: “إمّا عن طريق اختراق مكتب المفوضيّة في لبنان من خلال توظيف عملاء أو متعاونين مع النظام فيه، أو من خلال تجنيد أحد موظفيه أو أكثر، أو عن طريق المنظمات غير الرسميّة التي تتعامل مع المكتب، وإمّا اختراق أمن المعلومات عن طريق التجسس أو الاختراق الإلكتروني أو عن طريق الإهمال الوظيفي أو الخطأ أو الفساد”.

  • وبعد الاطلاع على الملفات المُسرّبة يمكن ترجيح احتماليّة صحة التسريب من خلال ما يلي:
  • ثبوت واقعة التسريب بدليل وصول هذه الملفات إلى شبكة شام ومن ثم إلى الإعلام ثم إلى العامّة، بغضّ النظر عن المصدر.
  • موضوع الملفات: حيث يتبيّن من مراجعتها أنّ مضمونها يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان وتوثيقها في عدة دول ومنها سوريا.
  • درجة سريّتها: تبيّن أن أغلب هذه الملفّات مُصنّفة بأنها “سريّة للغاية” وهي أعلى درجات السريّة.
  • والدليل الأولي الأهمّ الذي يمكن البناء عليه في تحديد عائديّة الملفّات هو نوع الملفّات التي تتضمّن “مراسلات دبلوماسيّة واتفاقيّات” بين المفوّضيّة وبين مؤسسات حكومية لعدة دول.

وتُرجِّح هذا الاحتمال القرائن التالية:

  • مصدر هذه الملفات: وحسب ما أكّد لنا مصدر موثوق بأنها كانت مُسرّبة من جهاز كمبيوتر لأحد الموظفين في المكتب الذي يمكن اعتباره أيضاً قرينة قانونيّة على عائديّتها للمكتب.
  • حجم الملفات الكبير: الذي يدلّ على أن هذه الملفّات جزء من أرشيف مؤسسة أو منظمة مركزية.
  • عروض بيع هذه الملّفات وغيرها دليل وجود “نيّة جرميّة” لدى صاحبها الذي قد يكون موظفاً فيها أو قد يكون لصّاً “حكوميّاً” سرق هذه المعلومات.

وأمّا بالنسبة لبيان المفوضيّة الذي تضمّن نفي نشر هذه المعلومات من قبل مكتبها وتأكيده التزام موظفيها بقواعد وواجبات العمل ومنها السريّة.

يمكن تفهّم النفي على أنه حرص منها على الحفاظ على سمعتها ومهنيّة موظفيها وهذا حقّها، ونحن بدورنا نحرص على ذلك لكنّ هذا النفي لا يجوز أن يُغلق الباب على ضرورة البدء بالتحقيق بالأمر لاحتمالية أن يكون نتيجة “فعل جرمي” مقصود سواء من قبل أحد موظفي المكتب نتيجة خضوعه “للابتزاز، أو التهديد، أو فساده، أو إهماله”، أو قد يكون ناجماً عن فعل فاعل من خارج المكتب مثل “السرقة – القرصنة – التجسس…..”.

وقد جرى العرف القانوني والإداري على أنّ تداول المعلومات “الخطيرة” أو الملفّات الخاصة بأي مؤسسة أو منظمة من قبل الإعلام أو المنظمات الأخرى يقوم مقام “الإخبار القانوني” الذي يُلزِم “الإدارة” بالإسراع بفتح تحقيقات إداريّة موسعة ودقيقة لمعرفة كيفية تسريب هذه المعلومات والملفات، وفي حال ثبوت القصد الجنائي لدى المسؤول تتم إحالته إلى القضاء، وهو ما يتوجّب على المفوضيّة الساميّة القيام به إن لم يكن لإثبات براءة موظفيها، فليكن في سبيل حماية “الملفات والبيانات والأرشيف الخاص بها” التي تتضمّن أدلّة جرميّة تمسّ حقوق الضحايا، أو على الأقلّ إنقاذ حياة الناشطين الذين وردت أسماؤهم في هذه الملفّات من مصير محتوم ينتظرهم إما الاعتقال أو الإخفاء القسري أو ربّما القتل تحت العذيب ويمكن الانطلاق في ذلك عبر تدقيق الملفات المُسرّبة ومقارنتها مع الملّفات المحفوظة لدى المكتب، سواء كان هؤلاء الناشطين من المتعاملين مع المفوضيّة أو لم يكونوا كذلك، لأنه من واجب المفوضيّة أولاً وأخيراً حماية حقوق الإنسان وضمان امتثال الدول للالتزامات القانونية ومنع وقوع أيّة انتهاكات لحقوق الإنسان، وليس للمنظّمة خيار آخر سوى ذلك لأن مصائر هؤلاء الأشخاص أصبحت معلّقة بين إنكارها التسريبات ورفضها بفتح التحقيق بالموضوع.